عمر فروخ

43

تاريخ الأدب العربي

أما تاريخ الأدب فهو فنّ من فنون المعرفة يتعلّق بتعاقب أعصر الأدب وبتطور الخصائص الأدبية مع الإلمام بسير الأدباء وباحصاء إنتاجهم وبالتمييز بين خصائصهم . المعنى واللفظ في الأدب اختلف النقّاد في موقفهم من الأدب ، وخصوصا فيما يتعلّق بالمعنى واللفظ . إن الجاحظ ( ت 255 ه - 868 م ) يرى « أن المعاني كثيرة متشعّبة ولكنّها مستورة في الصدور ، وإنما الفضل في الدلالة عليها باللفظ الحسن » « 1 » . ان اللفظ هو الذي يجعل المعنى أحلى في القلب وأحسن في العيون « 2 » . أما أفضل الشعر عند ابن قتيبة ( ت 276 ه - 889 م ) فهو « ما حسن لفظه وجاد معناه » « 3 » . وابن رشيق القيرواني ( ت نحو 463 ه - 1070 م ) يميل « 4 » إلى أن تكون معاني الشاعر كثيرة جديدة مبتكرة ، وإلّا لما كان له فضل ولما جاز لنا أن نسميه شاعرا . على أن ابن رشيق يرى أيضا أن من حق المعنى الجيد أن يكون في لفظ جيد . أما ضياء الدين بن الأثير ( ت 637 ه - 1239 م ) فكان أيضا من أنصار المعاني الجديدة ولكن على أن تأتي في صور شعرية أو صور بيانية بارعة من تشابيه واستعارات وكنايات . ثم إنه يرى أن تلبس تلك المعاني القليلة والصور البيانية البارعة الفاظا سهلة حلوة موافقة للمعاني لا تزيد عليها ولا تنقص عنها . وأما عبد الرحمن بن خلدون ( ت 808 ه - 1406 م ) فيخالف ابن رشيق وابن الأثير معا إلّا قليلا . إنه يؤثر الأسلوب على المعاني ، إذ يرى أن للعرب أساليب ينهجونها في التعبير عن مقاصدهم ، فعلى الشاعر ألّا يحيد عن هذه الأساليب . ثم إنه يكره المعاني المزدحمة ، لأن ازدحامها يؤدّي إلى تعقيدها وغموضها . قال ابن خلدون ( المقدمة 575 ) : « وإنما المختار من الشعر ما كانت

--> ( 1 ) البيان والتبيين 1 : 75 وما بعدها . ( 2 ) البيان والتبيين 1 : 254 . ( 3 ) الشعر والشعراء 7 ، راجع 21 . ( 4 ) العمدة ( المكتبة التجارية ، مصر 1353 ه - 1934 م ) ، 1 : 103 وما بعدها .